الشنقيطي

231

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ [ المائدة : 91 ] . ثم أكد النهي عنها بأن أورده بصيغة الاستفهام في قوله : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ( 91 ) فهو أبلغ في الزجر من صيغة الأمر التي هي « انتهوا » وقد تقرر في فن المعاني : أن من معاني صيغة الاستفهام التي ترد لها الأمر ؛ كقوله : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ( 91 ) ، وقوله : وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ [ آل عمران : 20 ] الآية ؛ أي أسلموا . والجار والمجرور في قوله : وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ [ 67 ] الآية - يتعلق ب تَتَّخِذُونَ وكرر لفظ « من » للتأكيد ، وأفرد الضمير في قوله « منه » مراعاة للمذكور ؛ أي تتخذون منه ، أي مما ذكر من ثمرات النخيل والأعناب . ونظيره قول رؤبة : فيها خطوط من سواد وبلق * كأنه في الجلد توليع البهق فقوله « كأنه » أي ما ذكر من خطوط السواد والبلق . وقيل : الضمير راجع إلى محذوف دل المقام عليه ؛ أي ومن عصير ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه ، أي عصير الثمرات المذكورة وقيل : قوله وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ [ 67 ] معطوف على قوله مِمَّا فِي بُطُونِهِ [ النحل : 66 ] أي نسقيكم مما في بطونه ومن ثمرات النخيل . وقيل : يتعلق ب نُسْقِيكُمْ [ النحل : 66 ] محذوفة دلت عليها الأولى ؛ فيكون من عطف الجمل . وعلى الأول يكون من عطف المفردات إذا اشتركا في العامل . وقيل : معطوف على « الأنعام » وهو أضعفها عندي . وقال الطبري : التقدير : ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكرا ؛ فحذف « ما » . قال أبو حيان ( في البحر ) : وهو لا يجوز على مذهب البصريين . وقيل : يجوز أن يكون صفة موصوف محذوف ، أي ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه . ونظير هذا من كلام العرب قول الراجز : مالك عندي غير سوط وحجر * وغير كبداء شديدة الوتر * جادت بكفي كان من أرمى البشر أي بكفي رجل كان « الخ » ذكره الزمخشري وأبو حيان . قال مقيده عفا اللّه عنه : أظهر هذه الأقوال عندي : أن قوله : وَمِنْ ثَمَراتِ يتعلق ب تَتَّخِذُونَ أي تتخذون من ثمرات النخيل ، وأن « من » الثانية توكيد للأولى . والضمير في قوله مِنْهُ عائد إلى جنس الثمر المفهوم من ذكر الثمرات ، والعلم عند اللّه تعالى . تنبيه اعلم - أن التحقيق على مذهب الجمهور : أن هذه الآية الكريمة التي هي قوله جل وعلا : وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ [ 67 ] منسوخة بآية المائدة المذكورة . فما جزم به